الصفحات

الجمعة، 14 مايو 2010

الأمم المتحدة محدودة الخيال في قضية الصحراء



عندما يقول بان كي مون، الأمين العام الأممي، أن حل قضية الصحراء، يتطلب مزيدا من «الخيال» السياسي، والإبتكار الخلاق، لإيجاد مخرج لهذه القضية، في تقريره الأخير إلى مجلس الأمن، فإنه بذلك يؤكد فشل منهجية الأمم المتحدة التي اتبعتها إلى حد الآن، لمعالجة هذا الملف.ومن الواضح أن هذه الملاحظة التي تضمنها تقريره الأخير، تكشف، بما لا يدع مجالا للشك، أن كل المخططات التي نهجتها الأمم المتحدة، في هذا الملف، فشلت، لذلك، فهو يدعو إلى ابتكار أساليب جديدة. فما هي تلك المناهج السابقة، التي يقر الآن بفشلها؟.لقد طرحت على الأمم المتحدة هذه القضية، منذ منتصف الستينات، عندما كان المغرب يطالب باسترجاع أراضيه الصحراوية من إسبانيا، حيث لم يكن آنذاك، أي وجود لما يسمى ب «الشعب الصحراوي»، أو جبهة البوليزاريو، وبعد تحرير هذه الأقاليم تدخلت الجزائر، مما مكن الأمم المتحدة من الدخول إلى الصحراء، عبر بعثتها، في إطار مخطط التسوية الذي وضع في أروقة هذه المنظمة الدولية، خطاطة تتضمن جدولة زمنية للمراحل التي ستقود لتنظيم الاستفتاء في سنة 1991، حيث جاء فيها أن المرحلة الانتقالية بين دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وإعلان نتائج الاستفتاء، قد تدوم تقريبا، عشرين أسبوعا.و كان هذا أقرب إلى الخيال العلمي منه الى الواقعية، التي من المفترض أن تتحلى بها منظمة دولية من هذا الحجم. فمنذ الوهلة الأولى، تبين أن ما يرسم في مكاتب نيويورك، لا يطابق الواقع أبدا. ولا يمكن تنفيذه نهائيا. و لذلك واجهت الأمم المتحدة، إشكالية أساسية، منذ البداية، تمثلت في تحديد هوية المصوتين في الاستفتاء، مما دفع بالأمين العام الأممي الأسبق، بطرس غالي، إلى الاعتراف، كمثيله خابيير بيريز ديكويار، بأن الأمم المتحدة فشلت في معالجة القضية، وخاصة مسلسل تحديد الهوية. حيث تساءل، في تقريره إلى مجلس الأمن، بتاريخ، نونبر 1993، عن مفهوم «الشعب»، معترفا بأن المنظمة الدولية، «لا تتوفر على أي تعريف مدقق لهذه الكلمة».ومن الواضح بأن هذا الاعتراف، والذي تُرجم في فشل مسلسل تحديد الهوية، ينسف مخطط التسوية من أساسه، ويجعل الأمم المتحدة عاجزة عن مقاربة القضية بنزاهة وموضوعية وواقعية. فإذا كان من المستحيل العثور على هذا «الشعب الصحراوي»، كيف يمكن تنظيم استفتاء تقرير المصير؟إن مثل هذه التناقضات في منهجية الأمم المتحدة، واضحة للعيان في كل تقارير الأمناء العامين، الذين طالبوا عدة مرات، بتغيير المنهج، غير أن مجلس الأمن كان يرفض ذلك، ويضغط في اتجاه استمرار تدخل الأمم المتحدة، بكل الغموض و اللاواقعية، في خضوع تام لموازين القوى وللضغوط الدبلوماسية، وليس للحق.من الممكن أن نجد تقاربا واضحا بين ملاحظة بان كي مون، حول ضرورة استعمال الخيال في هذه القضية، أي الخروج عن المنهج الذي سارت فيه الأمم المتحدة لحد الآن، والقنبلة الشهيرة التي فجرها الممثل الشخصي للأمين العام السابق، الهولندي فان فالسوم، والذي قال بأن مطلب الاستفتاء والاستقلال، غير واقعي.إن الأمم المتحدة، مسؤولة، مثل عدة أطراف أخرى، عن هذا المأزق الذي وضعت فيه هذه القضية. وإقرارها الضمني بفشلها، غير كاف، لأن عليها، كما طالب بذلك المغرب، أن تمارس الضغوط، وخاصة من قبل الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، لإيجاد حل واقعي، تؤكد كل المعطيات أنه الأكثر ملاءمة لمنطق التاريخ والمستقبل ولمتطلبات استقرار المنطقة المغاربية وتقدم شعوبها.ولعل قضية الصحراء، وما آلت إليه تحت مظلة الأمم المتحدة، ينبغي أن تكون درسا لكيفية معالجة مثل هذه النزاعات من طرف المنتظم الدولي، حيث لا يمكن لمنهجية الاستفتاء وتقرير المصير، أن تصبح كتابا مقدسا، أو عصا سحرية لحل كل المشاكل، فهناك مناهج ديمقراطية أخرى، مثل الحكم الذاتي، الذي يتلاءم أكثر مع واقع عدد من الشعوب والمناطق، ويسير في اتجاه التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، سواء على مستوى الأوضاع الداخلية التي تتطلب سياسة جهوية أكثرقربا، وتضمن الخصوصيات، في إطار وطن موحد، أصبح بدوره في حاجة إلى البحث عن تكتلات إقليمية مثل الإتحاد الأوربي والفيدراليات الكبرى، التي يعرفها العالم الآن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق