الثلاثاء، 8 يونيو 2010

خلفيات عدم رضى الجزائر عن التقارب بين المغرب وموريطانيا


إذا كان هناك طرف لا يرضيه التقارب الحاصل بين موريتانيا والمغرب، فهو الجزائر بكل تأكيد. ليس لكونها تضجر من أي تفاهم إقليمي يعيد العلاقات بين دول الشمال الإفريقي إلى طبيعتها العادية، خالية من أسباب انعدام الثقة والتوتر، ولكن لأنها منذ الأمد البعيد تتوق لأن تعزل المغرب عن محيطه الطبيعي. سواء كان ذلك على صعيد الامتداد الجنوبي أو في نطاق الاتجاه الأفقي،
أو على مستوى الانفتاح شمالا.في الأيام الأخيرة تجددت دعوات فعاليات مغربية وجزائرية من أجل إعادة فتح الحدود المغلقة بين البلدين الجارين التي ستدخل عامها السادس عشر بعد بضعة أسابيع. وهذا الموقف الصادر عن فعاليات مدنية غير حكومية يشير إلى الدور الذي يضطلع به المجتمع المدني في الجهر بحقائق حسن الجوار ومتطلباته، بعيدا عن أي نزعة سياسية منغلقة. ذلك أن ما لم تستطعه الأحزاب السياسية والمؤسسات النيابية والمرجعيات الرسمية لأسباب متعددة. في الإمكان دائما بلورته عبر مبادرات ذات امتدادات متشعبة.تبدو الصورة أقرب إلى التناقض، ففي مقابل هذا المسعى الإيجابي الذي يعكس حيوية المجتمعات المغاربية، حيث يشترك مغاربة وجزائريون في مبادرة المساعي الحميدة، يلاحظ أن اتجاها آخر له منطلقات جزائرية، غير بعيدة عن دوائر القرارات الرسمية، من أجل التشويش على مسار العلاقات المغربية- المورتانية. وتحديدا عبر افتعال أزمات لاستعداء البلدين ضد بعضهما. وإذا كان وضحا أن خلفيات هذه التحركات، تعود إلى سنوات طويلة، منذ أن خرج الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين عن صوابه وهدد الرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد دادة بأنه لن يقبل قيام تفاهم موريتاني- مغربي فإن تجسيده على أرض الواقع، شمل سياسيات وتحركات وإغراءات. كانت في جوهرها تروم فرض نوع من الوصاية على موريتانيا، سيدة نفسها وقراراتها، ولا أدل على ذلك أن إثارة موضوع المنافس السابق للرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي اختفى في ظروف غامضة إثر سقوط طائرته، يراد للإيحاء بأشياء مختلقة. لا أساس لها من الصحة.لا يمكن فهم الموقف الجزائري حيال هذه القضية وغيرها، خارج تنفيذ سياسات معينة، فمن لا يريد للشريط الحدودي شرقا أن يصبح مجالا حيويا لبناء اقتصاديات حدودية، تكرس التعاون ومظاهر حسن الجوار، لا يمكنه أن يكون مطمئنا لجوار من نوع آخر على الحدود الجنوبية للمغرب مع موريتانيا. وقد فعل أقصى ما يمكن عمله للتشويش على الفضاء الشمالي المرتبط بالعلاقة بين الرباط ومدريد. بل إنه لم يترك ورقة إلا واستخدمها، كما في حال الحدود الغربية على الساحل الأطلسي، من خلال إثارة ملف الصيد البحري الذي يربط المغرب وبلدان الاتحاد الأوربي، ما يعني أن فكرة محاولة عزل المغرب عن امتداداته تشكل الهاجس المحوري في انشغالات السلطات الجزائرية. ولو أنه في مقابل هذا العناد المخالف لكل الأوفاق تبرز مبادرات من قبيل مشاركة رجال الأعمال المغاربة في معارض ومنتديات اقتصادية وتجارية جزائرية.هذا الحضور المغربي الذي تترجمه رغبة أكيدة في تجاوز الخلافات السياسية والاتجاه نحو التطبيع الإيجابي في علاقات البلدين الجارين. كان في وسعه أن ينتقل إلى مراحل متقدمة، لو أن حواجز الحدود المغلقة ألغيت بقرارات سياسية صادرة عن الجزائر. فمن غير المعقول أن يضطر أي مواطن مغربي أو جزائري يريد أن ينتقل من الشريط الحدودي، الذي لا تفصله غير بضعة أمتار، إلى الدار البيضاء أو الجزائر أو وهران، للسفر على متن الطائرة، فيما المسافة يمكن قطعها مشيا على الأقدام. كذلك فإنه من غير المفهوم أن تتحدث الدبلوماسية الجزائرية عن الرهان الاقتصادي لبناء الاتحاد المغاربي في غياب الإرادة السياسية، لأنها مشكل بسيط اسمه إعادة فتح الحدود.أحيانا ترتفع أصوات جزائرية تعرض إلى تداعيات المشكل، لكنها تبقى استثناء ما لم يرافقها قرار سياسي، سيما وأن المبادرة في هذا النطاق، لا يمكن أن تصدر إلا من طرف الجهة التي كانت وراء اتخاذ قرار إغلاق الحدود، أي السلطات الجزائرية، لقد ساد بعض التفاؤل، منذ سنوات، حين أقر البلدان معا إلغاء نظام فرض التأشيرة على طالبيها من المغاربة والجزائريين. ومع أن القرار صدر أولا من الرباط، قبل أن تلجأ الجزائر إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، فإن الأهم أن الأسباب التي كانت وراء إغلاق الحدود ألغيت وباتت متجاوزة.لو أن الخلافات في هذا السياق بقيت جزائرية ـ مغربية، لأمكن استيعابها، بالنظر إلى حجمها المتزايد الذي يطال ملفات وقضايا عالقة، غير أن البداية تكون بالسعي إلى الإفادة من نقاط التلاقي وترك الخلافات جانبا. أما وأن الجزائر تزيد على ذلك من خلال الخوض في الماء العكر للإساءة إلى العلاقات التقليدية المتميزة التي تجمع المغرب وموريتانيا، فإن ذلك يعني شيئا واحدا، وهو أنه لا تغيير في المواقف.نقطة الضوء في نهاية النفق، تلوح الآن من خلال مبادرات الفعاليات غير الحكومية، والتي تسجل بأعلى صوت أن لا مشاكل ولا خلافات بين الشعبين المغربي والجزائري. وهذه بداية مشجعة لا شك في ذلك، إلا أن ما يعوزها هو أن يكون هناك من يفكر في ركن آخر، ليس في الإساءة إلى هذه العلاقات، وإنما الاتجاه جنوبا نحو افتعال خلافات غير موجودة بين الشعبين الموريتاني والمغربي.






http://almassae.press.ma/node/2808

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق