الخميس، 15 يوليو 2010

أحمد الحافظ، الإعلامي العائد من مخيمات تيندوف


العودة الجماعية للشباب محفوفة بالعديد من المخاطر


في هذا الحوار، يجيبنا “أحمد الحافظ”، الإعلامي السابق لدى جبهة البوليساريو والعائد مؤخرا إلى أرض الوطن، عن جملة من الأسئلة المتعلقة بإعلام البوليساريو وبحقيقة هذه الأعداد الهائلة من العائدين؛ إذ باتت عودة العشرات من شباب مخيمات تيندوف إلى أرض الوطن من الأمور العادية التي تعايش معها المغاربة بسهولة، بيد أن أسباب عودة أولئك العائدين تتعدد، حتى بات الكثيرون يتخوفون من نواياهم، ومن احتمال أن عودتهم تدخل ضمن استراتيجية محكمة وضعتها البوليساريو لزعزعة الأمن الداخلي للبلاد، بالإضافة إلى تورط العديد من مقاتلي البوليساريو سابقا في تجارة المخدرات والسلاح المتفشية بالمنطقة. وبحكم أن ضيفنا في هذا الحوار إعلامي سابق بالجبهة، فقد سألناه عن الوسائل التي تتواصل بها البوليساريو مع محتجزي المخيمات، خصوصا الشباب منهم؛ من أجل استلاب فكرهم والترويج لأكاذيبها وأوهامها، فجاءت إجاباته كالتالي:ما هي أسباب عودتكم إلى أرض الوطن؟الشيء الأكيد فيما يخص مسألة العودة إلى أرض الوطن هو أن أسبابها تختلف من شخص إلى آخر. وبما أن السؤال موجه إلي شخصيا، فأنا عدت عن قناعة، لأنني لست مقتنعا بجدوى ما تروج له البوليساريو. لقد تكونت لدي هذه القناعة منذ سنوات، بيد أنها تقوت عندما رافقت وفد البوليساريو للمشاركة في مفاوضات مانهاست؛ فما إن وصلت الجزائر حتى تم إخباري بأنني لم أحصل على التأشيرة؛ لأن المغرب تدخل لحرماني منها. لم أقتنع بهذا، لأن المغرب لن يهبط إلى مستوى التدخل لمنع صحفي بسيط من السفر. وعندما عاد الوفد كلفت بلقائه واستقباله بالعاصمة الجزائرية، وأثناءها جمعني حديث جانبي مع أحد أبرز من كانوا في هذا الوفد، فسألته هل سير المفاوضات في اتجاه إيجاد حل ما، فأجابني: أنتم من يجب أن تبحثوا عن الحل، أما أنا فأمتلك جنسية أميركية ولا أحتاج إلى أي حل. ويومها، تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني، وآنذاك اكتشفت أن من يفاوضون باسم البوليساريو ما هم إلا متاجرون في أحلام الشباب الصحراوي ويغتنون على حساب آمالهم وآلامهم. وقتئذ، اقتنعت بضرورة العودة، إضافة إلى اقتناعي بأن حل النزاع المفتعل لا يمكن أن يكون بعيدا عن الحل السلمي المتمثل في الحكم الذاتي.ازدادت وثيرة العودة مؤخرا رغم الحصار المضروب على المخيمات؛ فما حقيقة هذه العودة الجماعية؟بالفعل، لقد ازدادت وثيرة العودة مؤخرا، وباتت تلفت الانتباه كثيرا. والعدد الذي أتوفر عليه إلى حد الآن يقدر بـ 985 عائدا منذ بداية يناير إلى نهاية يونيو2010 ــ العدد غير رسمي ــ وهناك أياد خفية تحرك هذه القضية؛ فالجبهة وجدت في العائدين خيارا استراتيجيا لاستنزاف خيرات المغرب، وزرع البلبلة داخل الأقاليم الجنوبية. والحقيقة الغائبة في هذا الموضوع، هي أن أغلب من عادوا لا ينتمون إلى المخيمات؛ بل هم من الدول المجاورة، وقاموا بتزوير بطاقة الانتماء إلى البوليساريو. وهنا، أؤكد أن هناك مافيات تابعة للجبهة هي من تؤطر الموضوع وتقف وراء هذه العودة، ومن تداعيات ذلك أن قام العديد من الشباب الذين مثلوا دور العائدين ببيع المساكن التي منحت لهم وعادوا أدراجهم إلى تيندوف. وقد استضافت البوليساريو أحد هؤلاء في إذاعتها، وصرح بأنه سيقدم ذلك المبلغ الذي جناه من المغرب بكل سهولة لروح” الانتفاضة”، ولما يسمونه بـ “حرب التحرير”، ولمقاتلي البوليساريو. خلاصة القول، إن عودة هؤلاء محفوفة بالمخاطر.ما هي نوعية وسائل الإعلام الموظفة من طرف البوليساريو؛ باعتباركم إعلاميا سابقا بالجبهة؟لابد من الإشارة إلى أننا لا نتحدث عن إعلام حقيقي، فالحقل الإعلامي داخل المخيمات لا يرقى إلى مستوى الحديث عن إعلام مستقل بذاته. فما تتوفر عليه الجبهة بسيط وقليل جدا: هناك قناة تلفزية حديثة أنشئت في 20 ماي 2009، بالإضافة إلى الإذاعة التي تعد أقدم وسيلة إعلامية في المخيمات، أنشئت في 28 دجنبر 1976 ومازالت تعمل إلى حد الآن، بالإضافة إلى جريدة “الصحراء الحرة”. وقد ظهرت في المخيمات مؤخرا جرائد تنطق باسم مجموعة من المنظمات النسائية والطلابية المعارضة لخط الجبهة؛ ونذكر على الخصوص جريدتين كانتا تصدران عن مجموعات طلابية تذمرت من الوضع المزري هناك، بيْد أن القيادة عملت على احتوائها وإدخالها في إطار الإعلام الرسمي، لتتوقف فيما بعد عن النشر.من يدعم إعلام البوليساريو؟تعتبر الجزائر المدعم الأساسي والرسمي لإعلام البوليساريو؛ فهي من يقوم بعملية التأطير والتوجيه عن طريق تكوين الصحفيين؛ إذ أصبحت التكوينات مؤخرا شبه يومية، خصوصا للعاملين في الإذاعة والتلفزة. وكان تمويل القناة التلفزية من طرف منظمات إيطالية وازنة، ناهيك عن منظمات فاعلة في إسبانيا. غير أن أسماء هذه المنظمات لم تذكر علنا داخل المخيمات، لأنها اشترطت على البوليساريو أن تكون الجزائر هي حلقة الوصل بينها، وبالتالي كان الدعم عن طريق الجزائر. وعليه، فالجزائر هي المحرك الأول لإعلام البوليساريو، وهي من تدبر كل شيء هناك.قلتم إن الجزائر تدبر كل شيء؛ هل يعني هذا انعدام حرية الصحافة بالجبهة؟بالفعل هذا صحيح؛ فإعلام الجبهة محكوم ببرتوكول رسمي وتوجيه مباشر من قبل ما يسمى بالقيادة، ومبررهم في ذلك هو أن الظرف الحالي لا يسمح بإنشاء إعلام حر، وأن المرحلة مرحلة تحرير على حد تعبيرهم. وأتذكر خلال عملي هناك أنني كنت أقدم برنامجا يحمل اسم تحقيقات ميدانية؛ حيث كنت أذهب إلى مؤسسة معينة لأنقل إنجازاتها للمشاهدين، وصدمت حقيقة أكثر من مرة بسبب عدم السماح ببث البرنامج؛ لأنه كان يتناول إخفاقات داخل ما يسمونه بالمؤسسات، وكان من الصعب الاستمرار في إنجاز هذا البرنامج. بالإضافة إلى كون الأخبار تحدث فيها العديد من المغالطات، وبالخصوص تلك الواردة من الأقاليم الجنوبية؛ فقد كانت تفبرك ويتم سلخها عن حقيقتها، لتقدم للمحتجزين مُشَوِّهة للمغرب. لقد خصصت البوليساريو مؤخرا %75 من برامجها وأخبارها للأقاليم الجنوبية المغربية، قصد تقديم صورة سوداء وقاتمة عن الوضع بها. أما بالنسبة لظروف العمل، فليس هناك راتب لإعلاميي البوليساريو، بل هناك صدقة تقدم لهم من حين لآخر تقدر بـ 1000 درهم لكل ثلاثة أشهر. بالإضافة إلى أن ظروف العمل جد مزرية، زد على ذلك قلة التغذية وانعدام السكن المريح. فإن كانت مقولة مهنة المتاعب ستنطبق على أحد، فلن تجد أحسن من الصحافيين المحتجزين بإذاعة وتلفزة البوليساريو.قلتم إن إعلام البوليساريو خصص 75بالمائة من برامجه للأقاليم الجنوبية؛ ماهي مصادر أخباره ومعلوماته؟أصبح العالم اليوم قرية صغير بفضل تطور شبكة الإنترنيت؛ فقد أصبح العاملون في إذاعة وتلفزة البوليساريو يعتمدون كثيرا على هذه الشبكة، غير أن هذه الأخبار تحرف وتزور وتقدم بطريقة منافية لحقيقتها الأصلية؛ فالخبر دائما يقدم عن طريق عكس مضامينه. أما قبل أن يتم الاعتماد على الشبكة العنكبوتية، فقد كانوا يعتمدون على مجموعة من الشباب المسمون بانفصاليي الداخل لتزويدهم بالأخبار عن طريق الهاتف. فمنذ انطلاق الأحداث الصبيانية التي تسميها البوليساريو “انتفاضة”، وهي تعمل على تجنيد العديد من الشباب لتزويدها بالأخبار والمعلومات، مستغليين بذلك الحرية التي يتمتعون بها في الأقاليم الجنوبية.بعد عودتكم اطلعتم على العديد من المنابر الإعلامية المغربية؛ فما تقييمكم لها؟الإعلام المغربي يمتلك العديد من الوسائل والآليات، فالمغرب يزخر بالعديد من المنابر الإعلامية مختلفة المشارب، وتكتب الجرائد المغربية بكل جرأة وبكل صدق وموضوعية، رغم أن بعض الكتابات تخرج أحيانا عن المسار الذي يمكن أن يخدم القضية الوطنية. فالمرحلة تقتضي إجماعا وطنيا، وللإعلام دور بارز في خدمة القضية وإرسال رسائل واضحة لكل الأطراف. إن الإعلام من شأنه أن يدعم كل أنواع الدبلوماسيات، إضافة إلى أن الإعلاميين بدورهم يؤدون وظيفة دبلوماسية إعلامية.هل يعلم محتجزو تيندوف بالموقف الرسمي المغربي وبمواقف المجتمع المدني المغربي في ملف الصحراء؟المغرب كلمة مكروه ذكرها داخل المخيمات، ليس المغرب الرسمي فقط، بل المغرب ككل شعبا وحكومة؛ وذلك ناتج عن الاستلاب الفكري الذي تمارسه جبهة البوليساريو على عقول الشباب والمحتجزين ككل، ولا يمكن أن نتحدث عن أي وعي لدى هؤلاء المحتجزين بالموقف المغربي من قضية الصحراء، ومصير وحدة الشعوب المغاربية. بَيْد أن هناك في المرحلة الراهنة بوادر لهذا الوعي، خصوصا مع إنشاء قناة العيون الجهوية التي بات المحتجزون بتيندوف يتتبعونها باستمرار؛ بحيث يمكن لها أن تساهم في توضيح الرؤية المغربية لهم.هل استطاعت التنظيمات الإرهابية أن تخترق مخيمات تيندوف، وأن تجند الشباب في صفوفها؟ظهرت العديد من المجموعات السلفية داخل المخيمات، تكفر قيادة البوليساريو، وبدأت تنتقده في العديد من المقالات والمناشير، مستدلة على ذلك بالعديد من الأحاديث والآيات القرآنية. وقد عملت الجزائر ــ بما أن البوليساريو على أراضيها ــ على بعث مؤطرين دينيين تابعين لوزارة الأوقاف الجزائرية، لإخطار تلك المجموعات بأنها حرة في ممارسة شعائرها الدينية دون الوصول إلى التطرف؛ لأن الجزائر عانت ومازالت تعاني من ويلات الإرهاب. وفي غمار محاولة احتواء وضبط تلك المجموعات، حدثت العديد من الاختطافات والاعتقالات في حقهم من طرف المخابرات والجيش الجزائري. كما تم مؤخرا اعتقال مجموعة من شباب تيندوف في الجزائر، تورطوا في تفجيرات إرهابية داخل الجزائر، ولهم علاقة مع التنظيمات الإرهابية الموجودة في العديد من النقاط في المنطقة كأزواد و مالي والنيجر.أشار تقرير “مونيكي” إلى أن لبعض مقاتلي البوليساريو علاقات مع تجار السلاح والمخدرات في المنطقة. إلى أي حد يصح هذا الأمر؟بعد توقف الحرب بين المغرب والبوليساريو، وظهور العديد من بوادر الاستبداد والديكتاتورية داخل المخيمات، والمتاجرة في المساعدات، وبالتالي ظهور تفاوت طبقي بين القيادة والمحتجزين، بدأ أغلب من كانوا يقاتلون في صفوف البوليساريو ــ بعد معاناتهم من الفراغ والفقر ــ يتاجرون في السجائر، ليتطور الأمر فيما بعد إلى المتاجرة في المخدرات كالحشيش، حتى ظهرت مؤخرا التجارة في السلاح، مع تنامي المجموعات الإرهابية بالمنطقة. وطبعا، هناك بعض الأشخاص المسؤولين في الجبهة يقفون وراء تفشي تجارة السلاح هاته.ماذا ينتظر العائدون من المغرب؟العائدون لا ينتظرون من المغرب الشيء الكثير، هم يريدون فقط إدماجهم في الحياة العامة ليصيروا مواطنين كباقي مواطني جميع ربوع المملكة المغربية؛ وهذا لن يتحقق إلا بتأطيرهم حتى يفهموا جيدا وضعيتهم، وحتى لا يستغلهم الطرف الآخر لخدمة مصالحه وزعزعة الاستقرار الداخلي للمغرب، وحتى لا تصير مواقفهم متذبذبة. فبعض هؤلاء العائدين كانوا فاعلين داخل المخيمات، لذلك وجب أن نصنع منهم فاعلين هنا أيضا. وقد لاحظنا خلال الفترة التي أمضيناها في المغرب أن الحكومة المغربية سائرة في النهج الصحيح، وتسعى جاهدة لتحسين ظروف عيش العائدين، وتعمل على أن توفر لهم كامل الظروف ليندمجوا خلال وقت قصير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق